لسان الدين ابن الخطيب

147

الإحاطة في أخبار غرناطة

به ، بارع الخطّ ، حسن التّقييد ، مهيبا جزلا ، مع ما كان عليه من التّواضع ، يحبّه الناس ويعظمونه ، خطب بالمسجد الأعظم من مالقة ، وأقرأ به العلم . مشيخته : قرأ على الأستاذ أبي محمد الباهلي ، وأبيه الولي الخطيب ، رحمه اللّه . وروى عن جدّه أبي جعفر ، وعن الرّاوية الأستاذ الكبير أبي جعفر بن الزبير ، والرّاوية أبي عبد اللّه بن عيّاش ، والقاضي أبي القاسم بن السّكوت ، وغيرهم ممن يطول ذكره ، من أهل المشرق والمغرب . وفاته : توفي بمالقة في أول صفر من عام ثلاثة وثلاثين وسبعمائة ، وكان عمره نحوا من تسع وخمسين سنة . محمد بن محمد بن ميمون الخزرجي يكنى أبا عبد اللّه ، ويعرف بلا أسلم ؛ لكثرة صدور هذه اللفظة عنه ، مرسي الأصل ، وسكن غرناطة ووادي آش وألمريّة . حاله : من كتاب « المؤتمن » « 1 » : كان دمث الأخلاق قبل أن يحرجه شيء من مضيّقات الصّدور ، يشارك في العربية ، والشعر النازل عن الدرجة الوسطى لا يخلو بعضه عن لحن . وكان يتعيش من صناعة الطّب . وجرت له شهرة بالمعرفة نرفع به بتلك الصّناعة على حدّ شهرة ترك النّصيحة فيها ، فكانت شهرته بالمعرفة ترفع به . وشهرته بترك النصيحة تنزله ، فيمرّ بين الحالتين بشظف العيش ، ومقت الكافّة إيّاه . قلت : كان لا أسلم ، طرفا في المعرفة بطرق العلاج ، فسيح التّجربة ، يشارك في فنون ، على حال غريبة من قلّة الظّرف ، وجفاء الآلات ، وخشن الظاهر ، والإزراء بنفسه وبالناس ، متقدّم في المعرفة بالخصوم ، يقصد في ذلك . وله في الحرب والحيل حكايات ، قال صاحبنا أبو الحسن بن الحسن : كانت للحكيم لا أسلم خمر مخبّأة ، في كرم كان له بألمريّة ، عثر عليها بعض الدّعرة ، فسرقها له . قال : فعمد إلى جرّة وملأها بخمر أخرى ، ودفنها بالجهة ، وجعل فيها شيئا من العقاقير المسهّلات ، وأشاع أن الخمر العتيقة التي كانت له لم تسرق ، وإنما باقية بموضع كذا ، فعمد إليها أولئك الدّعرة ، وأخذوا في استعمالها ، فعادت عليهم بالاستطلاق القبيح المهلك ، فقصدوا الحكيم المذكور ، وعرضوا عليه ما أصابهم ، فقال لهم : إيه ، أدّوا إليّ ثمن الشّريبة ،

--> ( 1 ) هو كتاب « المؤتمن ، على أنباء أبناء الزمن » لأبي البركات ابن الحاج البلفيقي ، أحد شيوخ لسان الدين ابن الخطيب .